ابن خالوية الهمذاني
87
الحجة في القراءات السبع
فإن قيل : ما معنى قوله : أو مثلها ؟ فقل : المماثلة : موافقة الشيء من وجه من الوجوه ، ولو ماثله من جميع وجوهه لكان هو ، ولم يكن له مثلا . والمعنى هاهنا : أنها قرآن مثلها ، وهي في المعنى غيرها ، لأن هذه آية رحمة ، وهذه آية عذاب . قوله تعالى : وَلا تُسْئَلُ « 1 » يقرأ بالرفع والجزم . فالحجة لمن رفع : أنه أخبر بذلك وجعل « لا » نافية بمعنى ليس ، ودليله قراءة ( عبد الله ) « 2 » و ( أبيّ ) « 3 » : ( ولن تسأل ) . والحجة لمن جزم : أنه جعله نهيا . ودليله : ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما : « ليت شعري ما فعل أبواي » « 4 » ؟ فأنزل الله تعالى : « وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ » فإنا لا نؤاخذك بهم ، . والزم دينك . فأمّا من ضمّ التاء فإنه جعله فعل ، ما لم يسم فاعله . ومن فتحها جعلها فعل فاعل . قوله تعالى : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى « 5 » . يقرأ بكسر الخاء وفتحها . فالحجة لمن كسر : أنهم أمروا بذلك . ودليله قول ( عمر ) « 6 » : « أفلا نتخذه مصلى ؟ » ، فأنزل الله ذلك موافقا به قوله . والحجة لمن فتح : أن الله تعالى ، أخبر عنهم بذلك بعد أن فعلوه . فإن قيل ، : فإن الأمر ضد الماضي ، وكيف جاء القرآن ، بالشيء وضده ؟ فقل : إن الله تعالى أمرهم بذلك مبتدئا ، ففعلوا ما أمروا به ، فأثنى بذلك عليهم وأخبر به ، وأنزله في العرضة الثانية . قوله تعالى : فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا « 7 » . يقرأ بتشديد التاء ، وتخفيفها « 8 » . فالحجة لمن شدد :
--> ( 1 ) البقرة : 119 . ( 2 ) عبد الله بن مسعود . انظر : 49 . ( 3 ) أبيّ : هو أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري البخاري ، أبو المنذر وأبو الطفيل ، سيّد القراء ، كان من أصحاب العقبة الثانية ، وشهد بدرا والمشاهد ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ليهنئك العلم أبا المنذر . مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين ، وهو أثبت الأقاويل . انظر : ( الإصابة في تمييز الصحابة 1 : 16 ) مطبعة السعادة . ( 4 ) انظر : ( ابن كثير 1 : 162 ) ، ( القرطبي 2 : 84 ) ، ( وصحيح مسلم 3 : 79 ) . ( وسنن أبي داود 9 : 97 ) . ( 5 ) البقرة : 125 . ( 6 ) عمر بن الخطاب : انظر : ترجمته في : أسد الغابة : 52 ، وغيره من كتب الطّبقات . ( 7 ) البقرة : 126 . ( 8 ) قراءة ابن عامر : ( الحجة لأبي علي الفارسي : 2 لوحة : 337 ) .